فصل: مسألة يسهو فيسر بقراءة أم القرآن فيما يعلن فيه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة المسافر يؤم بمسافرين فيصلي بهم ركعة ثم يبدو له في المقام:

وسئل عن المسافر يؤم بمسافرين فيصلي بهم ركعة ثم يبدو له في المقام، قال يخرج فيقدم رجلا يتم بهم ويقطع هو صلاته. قلت: وإن كان خلفه مقيمون ومسافرون كيف يصنع المسافرون؟ قال: إن قدم الخارج مسافرا صلى صلاة مسافر يسلم من ركعتين بالمسافرين، ثم أتم المقيمون لأنفسهم. وإن قدم مقيما أضاف إلى التي صلى الخارج- ركعة، ثم أشار إليهم كلهم المسافرين والمقيمين: أن اجلسوا، ويتم هو لنفسه، فإذا سلم، سلم المسافرون بسلامه، ثم يتم المقيمون بعد سلام الإمام. قال عيسى: وأحب إلي أن ينتقض بهم صلاتهم إذا تحولت نية الإمام.
قال محمد بن رشد: اختلف في المسافر ينوي الإقامة في صلاته على ثلاثة أقوال: أحدها- وهو مذهبه في المدونة- أن تحول نيته مفسد لصلاته، فهو كمن ذكر صلاة في صلاة، يخرج عن نافلة أو يقطع على الاختلاف في ذلك، ويصلي صلاة مقيم، فعلى هذا القول يأتي جوابه في هذه المسألة: أن الإمام يقطع ويخرج. وقوله: إنه يقدم رجلا يتم بهم الصلاة على أحد قوليه في الإمام يذكر صلاة وهو في صلاة، أنه يستخلف ويقطع ولا يقطعون، واختيار عيسى في هذه أن يقطعوا، خلاف اختياره في الإمام يذكر صلاة وهو في صلاة، فيحتمل أن يكون ذلك اختلافا من قوله، والأظهر أنه فرق بين المسألتين، لقوة الاختلاف في هذه، فيكون الإمام على قول من رأى أنه يتمادى على صلاته وتجزئه إذا قطع، قد أفسد صلاته متعمدا، فوجب أن يفسد عليهم؛ والقول الثاني، وهو اختيار بعض المتأخرين- أنه لا تأثير لتحول نيته في إفساد صلاته، فيتمادى عليها وتجزئه، كالمتيمم يدخل في الصلاة ثم يطلع عليه رجل معه ماء، أنه يتمادى ولا يقطع. والقول الثالث رواه ابن الماجشون عن مالك واختاره ابن حبيب، أنه إن كان لم يركع، أتم على إحرامه أربعا، وإن كان قد ركع أتم صلاته صلاة سفر، كما ابتدأها وأجزأته، وهو استحسان على غير قياس؛ لأنه راعى تحول نيته في حال دون حال؛ وقال: إنه يتم أربعا- وهو قد أحرم بنية ركعتين. وفي ذلك اختلاف قد مضى القول فيه في أول رسم من سماع ابن القاسم. وقوله: إن قدم مقيما- إلى آخر قوله- صحيح؛ لأنه، إنما استخلفه على الركعة التي بقيت من صلاته، فإذا صلاها بهم وقام إلى إتمام صلاته، لم يصح للمقيمين أن يأتموا به فيها؛ لأن السنة أن يصلوا أفرادا، فإن ائتموا به، جرى الأمر في وجوب الإعادة عليهم على الاختلاف فيمن وجب عليه أن يصلي فذا، فصلى في جماعة على ما يأتي في رسم إن خرجت بعد هذا، وفي سماع سحنون، وفي سماع موسى بن معاوية- بعد هذا إن شاء الله تعالى.

.مسألة المسافر يدخل في صلاة قوم وهو يظنهم مسافرين:

وسئل ابن القاسم عن المسافر يدخل في صلاة قوم وهو يظنهم مسافرين فلما صلى تبين له أنهم مقيمون، قال: أحب إلي أن يعيد.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها- مجودا في أول رسم من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادته.

.مسألة جمع الصلاتين في الخوف:

قال ابن القاسم: لا تجمع الصلاتان في الخوف؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: {فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239]. قال ابن القاسم بعد ذلك ولم أسمع أحدا جمع، ولو جمعوا لم أر به بأسا.
قال محمد بن رشد: يريد جمعهم بين الصلاتين في الخوف على سنة صلاة الخوف- إذا كانوا نازلين بموضع، وخافوا هجوم العدو عليهم فيه، فلم ير ذلك في القول الأول؛ إذ لم يذكر الله فيه إلا بفرقة الجماعة طائفتين على إمام واحد، ولم ير مالك للمسافرين الجمع إلا إذا جد بهم السير، وهؤلاء نازلون غير سائرين، وخفف ذلك في القول الثاني لما جاء من السعة في الجمع لاشتراك الوقتين، فقد روي «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جمع بين الصلاتين في غير خوف ولا سفر. قال ابن عباس راوي- الحديث: إنما فعل ذلك لئلا يحرج أمته»- وبالله التوفيق.

.مسألة دراسة القرآن بعد صلاة الصبح في المسجد:

وسئل عن دراسة القرآن بعد صلاة الصبح في المسجد يجتمع عليه نفر فيقرؤون في سورة واحدة، فقال: كرهها مالك ونهى عنها ورآها بدعة.
قال محمد بن رشد: قد مضت كراهية مالك لذلك في أول رسم سن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من سماع ابن القاسم، والقول فيها هناك بما يغني عن رده.

.مسألة يدخل المسجد في رمضان فيدرك الإمام في آخر ركعة الوتر:

قال: وسألته عن الرجل يدخل المسجد في رمضان فيدرك الإمام في آخر ركعة الوتر- وقد صلى معه بعد العشاء نافلة. قال: إذا سلم أضاف إليها أخرى وسلم، ثم أوتر بواحدة- إذا كان الإمام ممن يسلم، وإن كان ممن لا يسلم أضاف إليها اثنتين بغير سلام.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا يجتزئ بالنافلة التي صلى بعد العشاء، لبعد ما بينها وبين الوتر الذي صلى مع الإمام، ليس على قياس مذهب مالك، ووجهه مراعاة قول من يرى أن الوتر ثلاث لا يفصل بينهن بسلام، والذي تقدم لمالك في رسم الصلاة الأول من سماع أشهب والصحيح على قياس مذهبه. وقوله: وإن كان الإمام ممن لا يسلم أضاف إليها اثنتين بغير سلام، هو نحو قول مالك في رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب: لو كنت صانعه لم أسلم بين الاثنتين والواحدة، وقد مضى القول على ذلك هناك.

.مسألة يصلي المغرب في بيته ثم يأتي المسجد فيجد الناس في الصلاة:

قال ابن القاسم في الذي يصلي المغرب في بيته ثم يأتي المسجد فيجد الناس في الصلاة فينسى فيدخل معهم، قال: إن ذكر قبل أن يركع رجع، وإن ذكر بعد أن صلى ركعة، فإن قطع كان أحب إلي، وإن صلى الثانية ثم قطع، رجوت أن يكون خفيفا، وإن لم يذكر إلا بعد ثلاث ركعات، أضاف إليها ركعة وسلم وخرج. وقال سحنون: وقد روى علي بن زياد أنه لا يشفعها برابعة، وعليه أن يعيدها ثالثة.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة في رواية أبي صالح، واستحباب القطع فيها إذا ذكر بعد ركعة، هو الذي يأتي على ما في المدونة، وقد ذكرنا الاختلاف في مسألة المدونة في آخر رسم نقدها من هذا السماع. وقوله: إنه إن ذكر بعد ثلاث ركعات، أضاف إليها رابعة، صحيح على القول بأن من أعاد في جماعة، فالأولى هي صلاته، وهذا القول هو الذي يصح في هذه المسألة- على مذهب مالك؛ إذ لا يرى لمن صلى المغرب أن يعيدها في جماعة، ورواية علي بن زياد تأتي على أن من أعاد في جماعة، فهما جميعا له صلاتان فريضتان، وقد مضى هذا المعنى في آخر رسم المحرم من سماع ابن القاسم- وبالله التوفيق.

.مسألة صلى المغرب والعشاء من الحاج قبل أن يأتي مزدلفة من غير عذر:

ومن كتاب سلف دينارا في ثوب:
مسألة وقال فيمن صلى المغرب والعشاء من الحاج قبل أن يأتي مزدلفة من غير عذر، أعادهما بالمزدلفة؛ لأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «الصلاة أمامك».
قال محمد بن رشد: قوله من غير عذر- يريد من غير عذر يمنعه من أن يسير بسير الناس؛ لأنه من لم يكن عنده عذر يمنعه من أن يسير بسير الناس، فلا يصلي حتى يغيب الشفق ويصل إلى المزدلفة، فإن صلى قبل أن يصل إلى المزدلفة أو قبل أن يغيب الشفق، أعاد؛ ومن كان له عذر يمنعه من أن يسير بسير الناس ممن وقف مع الناس، فإنه يجمع الصلاتين إذا غاب الشفق قبل أن يصل إلى المزدلفة، ومن أتى متفاوتا ولم يقف مع الناس، فإنه يصلي كل صلاة لوقتها.

.مسألة عزل الوالي يوم الجمعة:

ومن كتاب أوله إن خرجت من هذه الدار:
مسألة قال ابن القاسم: إذا عزل الوالي يوم الجمعة، وجاء وال آخر فتمادى المعزول فصلى الجمعة بالناس- وهو يعلم بعزله، قال: أرى أن يعيدوا وإن ذهب الوقت، وإن أذن له الوالي القادم فصلى بهم، فصلاتهم جائزة- إذا كان أذن له قبل الصلاة، وإن كان أذن له بعد الصلاة، فإن عليهم الإعادة؛ فإن جاء الوالي- وقد خطب هذا، قال: أرى أن يخطب خطبة أخرى ولا يصلي بهم بخطبة غيره، فإن أذن له بالصلاة وقد خطب هذا، قال: أرى أن يبتدئ الخطبة- ثانية.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة مبنية على معنى ما في المدونة من أن الوالي الأول معزول عن الصلاة بوصول الوالي الثاني إليه وإعلامه بعزله. فإن صلى الوالي الأول قبل أن يقدم الوالي الثاني ويعلمه بالعزل، صحت الصلاة، وإن قدم وقد خطب ولم يصل، لم يجز له أن يصلي بالناس بخطبة الأول؛ لأنه خطب وهو أمير، ولا يصح أن يخطب أمير ويصلي أمير غيره، كما لا يصح أن يقدم أميران أحدهما على الخطبة والثاني على الصلاة، ولو قدم بعد أن صلى بالناس ركعة، لأتم بهم الركعة الثانية وسلم، وأعادوا الخطبة والصلاة- قاله في كتاب ابن المواز. وذهب مطرف وابن الماجشون إلى أنه يجوز له أن يصلي بالناس بخطبة الأمير الأول، وحجته ما جاء من أن أبا عبيدة قدم- وخالد بن الوليد يخطب، فأمره أبو عبيدة أن يتم بهم الخطبة، وهذا لا حجة فيه؛ لأنه لما أمره بإتمام الخطبة، حصل مستخلفا له على ذلك وأجزأه من الخطبة ما بقي منها؛ إذ ليست مؤقتة لا يجوز ترك شيء منها، ولو استأنفها من أولها لكان أحسن، وهذا الذي قلناه من أنه إن صلى الوالي الأول قبل أن يقدم الثاني ويعلمه بعزله، صحت الصلاة ولم تجب إعادتها- وإن كان الوقت قائما- بين من الرواية، بدليل قوله فيها: وهو يعلم بعزله، وهو ينبئ عن فساد ما حكاه عبد الحق عن بعض شيوخه عن المذهب من أن الوالي الثاني إذا قدم بعد أن صلى الأول- والوقت قائم- أنه يعيد الجمعة ولا يعتد بها، كما لا يعتد بالخطبة إذا قدم قبل الصلاة؛ وقد بينا وجه فساد اعتداده بالخطبة إذا قدم قبل الصلاة. وقوله في الرواية: إن صلاة الأول بهم جائزة- بإذن الثاني- إذا كان أذن له قبل الصلاة، معناه قبل الخطبة والصلاة، وهذا كله بين، فتدبره.

.مسألة جس امرأته للذة ثم نسي فصلى يتوضأ:

قال: ومن جس امرأته للذة، ثم نسي فصلى- ولم يتوضأ، أنه يعيد في الوقت وبعد الوقت.
قال محمد بن رشد: معناه أنه جسها للذة فالتذ، وأما لو جسها للذة فلم يلتذ، لما انبغى أن تجب عليه الإعادة إلا في الوقت؛ لأن كل من عمل في وضوئه أو صلاته، بما اختلف أهل العلم فيه، فلا إعادة عليه إلا في الوقت، وقد اختلف قول مالك في إيجاب الوضوء على من مس امرأته للذة فلم يلتذ، وأما من مسها للذة فالتذ، فلا اختلاف في المذهب أن الوضوء عليه واجب، فلذلك قال: إنه يعيد أبدا، ولم يراع مذهب أهل العراق. وما روي عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس، من أن الملامسة للذة لا تنقض الوضوء، لحملهما الملامسة التي عنى الله بقوله: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] على الجماع دون ما سواه، احتياطا للصلاة- والله أعلم.

.مسألة خطب يوم الجمعة ففرغ من الخطبة وأحرم بالصلاة فذكر صلاة نسيه:

وسئل عن إمام خطب يوم الجمعة ففرغ من الخطبة وأحرم بالصلاة، فذكر صلاة نسيها، فقال: يتحول إليهم ويكلمهم حتى يتم صلاته، قيل له: فيبتدئ الخطبة، قال: أحب إلي أن يبتدئ الخطبة، قيل له: فإن ذكر ذلك بعد أن فرغ من الصلاة، أو بعد أن صلى منها ركعة؛ قال: إذا لم يذكر حتى فرغ من صلاته، فصلاتهم مجزئة عنهم، وإن ذكر بعد ركعة، قدم رجلا بنى على تلك الركعة، قال: وكذلك في كل صلاة ذكر فيها الإمام صلاة نسيها- وقد ركع، فإن تلك الركعة التي صلى بهم- وهو ناس للصلاة- مجزئة عنهم، ويبني عليها الذي يقدم. قال عيسى: وقد كان قال لي تنفسخ صلاتهم، ثم رجع إلى هذا؛ وهذا قول ابن دينار، وابن كنانة: إن ما صلى بهم- وهو ناس- فذلك مجزئ عنهم، وبه يأخذ عيسى.
قال محمد بن رشد: قوله الأول: إن صلاتهم تنتقض، ويقطع ويقطعون، ولا يستخلف، هو قول مالك في المدونة، ووجه مراعاة قول من يقول إن صلاته لا تفسد بذكر الصلاة المنسية فيها، فيتمادى عليها وتصح له ولهم ويصلي هو وحده الصلاة التي نسي، وقد نحا ابن القاسم في سماع سحنون عنه- إلى هذا القول، فلم ير عليه الإعادة إن تمادى على صلاته إلا في الوقت؛ فلما كان على قول هذا القائل إنه إذا قطع قد أفسد على نفسه صلاته متعمدا من غير عذر، وجب أن يفسد عليهم، ولا يصح له الاستخلاف؛ وقد قيل: إنه يستخلف- ركع أولم يركع، وهو ظاهر ما وقع في رسم أوصى- في بعض الروايات؛ ووجه ذلك القياس على ما اتفقوا عليه من جواز الاستخلاف في الأحداث، وقد قيل في الفرق بين المسألتين: إن الأصل كان إذا فسدت الصلاة على الإمام، أن تفسد على من خلفه، لارتباط صلاتهم بصلاته؛ فخرج من ذلك الاستخلاف في الأحداث بالسنة والإجماع، وبقي ما عدا ذلك على الأصل، واستحسن هذا الفرق بعض الناس، وطعن على الأول بما لا يلزم، فهو الأظهر- عندي، وظاهر ما رجع إليه في هذه الرواية، أنه إن ذكر قبل أن يركع قطع وقطعوا، وإن ذكر بعد أن يركع، قدم من يتمم بهم- وهو استحسان؛ وفي المسألة قول رابع لابن كنانة في المبسوطة: أنه إن ذكر قبل أن يركع قطع وقطعوا، وإن ذكر بعد أن ركع تمادى بهم وأجزأتهم، وأعاد هو الصلاة- وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة أدرك من الجمعة ركعة فلما سلم الإمام قام فقضى الركعة:

وسئل عمن أدرك من الجمعة ركعة، فلما سلم الإمام قام فقضى الركعة، ثم جلس فتشهد فذكر أنه نسي سجدة لا يدري أمن الركعة التي أدرك مع الإمام أم من التي قضى؟ قال: يسجد سجدة ثم يقوم فيصلي ركعة بسجدتيها، ثم يتشهد ويسلم ويسجد سجدتي السهو بعد السلام، ثم يقوم فيصليها ظهرا أربعا؛ لأنه لا يدري لعله نسي السجدة من الأولى فتنتقض جمعته، ولا ينبغي له أن ينصرف من ذلك إلا على شفع؛ قال عيسى: أرى أن يسجد سجدة ويتشهد ثم يسلم، ويسجد بعد السلام، ثم يعيد ظهرا أربعا.
قال محمد بن رشد: لما ذكر سجدة لا يدري إن كانت من التي قضى بعد سلام الإمام، أو من التي صلى مع الإمام والركعة لا تتم إلا بسجدتيها، كان قد تيقن أنه لم يصح له إلا ركعة واحدة لا يدري إن كانت التي صلى مع الإمام، أو التي قضى بعد سلامه، فإن كانت السجدة من التي صلى مع الإمام، فقد صحت له التي صلى بعد سلامه، فوجب أن يضيف إليها ركعة ويخرج عن نافلة، ويصلي الظهر أربعا، وإن كانت من التي صلى بعد سلامه، فقد صحت له التي صلى مع الإمام، ووجب عليه أن يسجد سجدة يصلح بها الركعة التي قضى، وتتم له الجمعة، فلما لم يدر أي الأمرين عليه، جمعهما جميعا عليه، ليكون على يقين أنه قد أتى بما عليه، فهذا وجه قول ابن القاسم؛ وأما قول عيسى إنه يسجد سجدة، ويتشهد ويسلم، ويسجد بعد السلام، ثم يصلي ظهرا أربعا؛ فهو اختيار ابن المواز، ووجهه الاحتياط للجمعة؛ لأنه إن كان ترك السجدة من الركعة التي قضى بعد سلام الإمام، فسجد سجدة ثم أتى بركعة ليخرج عن شفع، فقد أفسد على نفسه الجمعة، فيعمل على أنه ترك السجدة من الركعة التي صلى بعد سلام الإمام، رجاء أن تصح له الجمعة، ثم يصلي ظهرا أربعا- مخافة أن تكون السجدة من التي صلى مع الإمام؛ لأن المحافظة على الجمعة آكد عليه من المحافظة على أن يخرج عن شفع، وأشهب يقول: إنه يأتي بركعة ولا يسجد؛ إذ لا يتحقق أن السجدة من الركعة التي قضى بعد سلام الإمام، ثم يعيد ظهرا أربعا على أصله فيمن ذكر سجدة لا يدري في أي ركعة، أنه يأتي بركعة ولا يخر إلى سجدة؛ إذ لابد له من الإتيان بركعة وليس على يقين من إصلاح الركعة الأخيرة؛ وقول ابن القاسم أظهر ألا يترك هذه الركعة على شك من تمامها- وهو يقدر على إصلاحها.

.مسألة كثر السهو على الرجل ولزمه ذلك فلا يدري أسها أم لا:

قال ابن القاسم: قال مالك إذا كثر السهو على الرجل ولزمه ذلك، فلا يدري أسها أم لا؟ قال مالك: يسجد سجدتي السهو بعد السلام.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة في رسم أوصى من هذا السماع، ومضت أيضا- والكلام عليها في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته هنا.

.مسألة سها في صلاته ثم نسي سهوه فلا يدري قبل السلام هو أو بعد السلام:

وسئل عن رجل سها في صلاته ثم نسي سهوه فلا يدري قبل السلام هو أو بعد السلام، قال: يسجد قبل السلام.
قال محمد بن رشد: إنما قال: إنه يسجد قبل السلام؛ لأنه غلب حكم النقصان على حكم الزيادة عند الشك فيها، كما غلبه عليه عند اجتماعهما، لكونه أحق بالمراعاة على المشهور من قوله، وقد مضى القول في ذلك في رسم استأذن سيده من هذا السماع.

.مسألة يسهو فيسر بقراءة أم القرآن فيما يعلن فيه:

وسئل عن الذي يسهو فيسر بقراءة أم القرآن فيما يعلن فيه، فيذكر بعد فراغه من قراءتها؛ قال: أحب إلي أن يعود لقراءتها فيقرأ ويعلن ويسجد سجدتي السهو بعد السلام.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف ما يأتي في رسم إن أمكنتني من هذا السماع، وخلاف ما مضى في الرسم الأول من سماع أشهب، والقولان قائمان من المدونة، وقد مضى القول على ذلك في الرسم الأول من سماع أشهب.

.مسألة مسافر أم مقيمين ومسافرين فصلى بهم ركعة ثم أحدث:

وسألت ابن القاسم عن مسافر أم مقيمين ومسافرين، فصلى بهم ركعة، ثم أحدث فقدم رجلا مقيما فأتم بهم ساهيا، أو صلى بهم مسافر ركعتين ثم سلم فقال: أتموا لأنفسكم فجهلوا، فقدموا رجلا مقيما فأتم بهم؛ فقال: أما في المسألة الأولى فإن المسافرين الذين أتموا مع المقيم يعيدون الصلاة ما كانوا في الوقت؛ وأما المقيمون ففي كلا الوجهين صلاتهم مجزئة، ولو أعادوا لرأيته حسنا.
قال محمد بن رشد: قوله إن المسافرين الذين أتموا مع المقيم يعيدون في الوقت، هو خلاف ما يأتي في سماع سحنون، وخلاف ما تقدم في أول رسم من سماع ابن القاسم؛ لأنهم أتموا بعد أن أحرموا على القصر، وقد مضى هناك القول في تحصيل الخلاف في إتمام المسافر، فلا معنى لإعادته، وإنما استحب للمقيمين الإعادة في كلا الوجهين؛ لأنهم صلوا بإمام ما وجب عليهم أن يصلوه- فذا؛ وسيأتي نحو هذا أيضا في سماع سحنون، وفي سماع موسى بن معاوية؛ وقد اختلف في ذلك، فقال ابن القاسم: إذا صلى- فذا ما يجب عليه فذا، فلا إعادة عليه. وقال أشهب، وعبد الله بن عبد الحكم: يعيدون، وهو مذهب أصبغ، إلا أنه قال: إن أحدث الإمام في تشهده فخرج ولم يستخلف، فسلموا لأنفسهم من غير أن يستخلفوا، فصلاتهم مجزئة عنهم- إذا لم يبق إلا التسليم، فوافق ابن القاسم ههنا؛ قال محمد بن رشد: ولهو إذا صلى مع الإمام ما يجب عليه أن يصلي- فذا، أشد- والله أعلم.

.مسألة أجمع المسافر إقامة أربعة أيام:

قال ابن القاسم: إذا أجمع المسافر إقامة أربعة أيام، فإنه يصلي صلاة مقيم لا يحسب اليوم الذي يدخل فيه، ولكن إن كان نوى إقامة أربعة أيام وأربع ليال مستقبلة سوى اليوم الذي دخل فيه أتم الصلاة، وإن كان دخل أول النهار، فإني أحب إلي أن يحسب ذلك اليوم.
قال محمد بن رشد: الأصل في تحديد أربعة أيام في هذا، ما روي «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدم مكة صبيحة رابعه من ذي الحجة، قال: لا يقيمن مهاجر بمكة بعد قضاء نسكه فوق ثلاث»؛ فدل على أن ما فوق ثلاث في حيز الإقامة؛ إذ لم يبح ذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمهاجر الذي لا تصح له الإقامة بمكة، وإنما قال ابن القاسم: إنه يلغى اليوم الذي دخل فيه، إلا أن يكون دخل أول النهار، لما روي «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدم مكة صبيحة رابعه من ذي الحجة، ثم خرج يوم التروية، وذلك أحد وعشرون صلاة، أو اثنان وعشرون صلاة»، فقصر بمنى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أن أقام بمكة. وإلى هذا ذهب مالك في أن أهل مكة يقصرون- بمنى والله تعالى أعلم؛ وذهب ابن الماجشون وسحنون، إلى أنه إذا نوى إقامة عشرين صلاة من وقت دخوله إلى حين خروجه أتم، وقد اختلف في ذلك اختلافا كثيرا من يوم وليلة- وهو مذهب ربيعة- إلى تسعة عشر يوما وهو مذهب ابن عباس، روي عنه أنه قال: «أقام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسعة عشر يوما يقصر، فإن زدنا أتممنا».

.مسألة ينسى الوتر أو ينام عنه فلا يذكر إلا بعد طلوع الفجر:

ومن كتاب أوله أسلم وله بنون صغار:
مسألة وسئل عن الذي ينسى الوتر أو ينام عنه فلا يذكر إلا بعد طلوع الفجر، قال: إن كان ركع بعد أن صلى العشاء أوتر بواحدة، وإن كان لم يركع شفع الوتر بركعتين.
قال محمد بن رشد: إنما قال: إنه يوتر بواحدة- إن كان قد ركع بعد أن صلى العشاء، لما جاء من أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر»، فليس ذلك بخلاف لما مضى في رسم لم يدرك من هذا السماع؛ لأنها مسألة أخرى، وإنما الخلاف فيما بين مسألة رسم لم يدرك، ومسألة أخرى أول رسم من سماع أشهب، وقد بينا وجه ذلك هناك.

.مسألة يصلي ركعتين من مكتوبة فينسى فيسلم ثم يدخل في نافلة:

وسألته عن الذي يصلي ركعتين من مكتوبة فينسى فيسلم ثم يدخل في نافلة، ثم يذكر ذلك؛ فقال: إن كان طال ذلك استأنف الصلاة، وإن كان ركع استأنف أيضا- طال أو لم يطل، سواء خرج من الركعتين بسلام، أو خرج بغير سلام، فإن كان ذلك منه قريبا حين قام، بنى وسجد.
قال محمد بن رشد: قوله إنه يستأنف الصلاة، إن طال أو ركع وبنى إن كان ذلك منه قريبا وسجد، مبني على أن ما صلى بنية النافلة لا يعتد به من صلاته، فإن كان قريبا، ألغى ما عمل، واستأنفه وسجد بعد السلام- كما قال في رسم لم يدرك- إذا ركع بالسجدة ساهيا، وإن طال ذلك استأنف الصلاة وجعل الركوع مع ما تقدم من القراءة بنية النافلة- طولا؛ ولو ركع بنية النافلة بعد أن قرأ بنية الفريضة، لوجب أن يلغي الركعة ويستأنفها، ويسجد بعد السلام على قياس قوله في هذه الرواية؛ وما قاله في الذي أراد أن يسجد السجدة فركع بها ساهيا، وقد قيل: إنه إن ركع ولم يطل القراءة، ألغى الركعة واستأنفها وسجد بعد السلام، ولم يستأنف الصلاة، وهو قول مطرف، وابن الماجشون، وابن وهب، وابن عبد الحكم، وروايتهم عن مالك؛ فسواء على هذا خرج من الركعتين بسلام، أو بغير سلام- كما قال؛ وإنما يفترق ذلك على مذهب من يرى أن تحول النية في الصلاة لا تأثير له في إفسادها، وهو قول أشهب في سماع سحنون، وروايته عن مالك، فيعتد على هذا القول بما صلى بنية النافلة- إن كان خرج من الركعتين بسلام أو بغير سلام- على القول بأن السلام على طريق السهو لا يخرج المصلي عن صلاته، ولا يعتد بذلك- إن كان خرج من الركعتين بسلام على القول بأن السلام على طريق السهو يخرج به عن صلاته، فإن لم يطل ذلك رجع إلى صلاته وسجد بعد السلام، وإن طال، استأنف صلاته من أولها.

.مسألة يدرك ركعة من صلاة الجمعة فينسى فيها سجدة:

وسئل ابن القاسم عن الذي يدرك ركعة من صلاة الجمعة فينسى فيها سجدة فلا يذكرها إلا وهو قائم في إتمام الأخرى، أو بعد أن ركع؛ فقال: إن ذكر قبل أن يركع ألغى ما صلى مع الإمام؛ لأنه كهيئة من لم يستطع أن يسجد من زحام الناس حتى سلم الإمام وصلى ظهرا أربعا، وإن ذكر بعد أن صلى الركعة، أضاف إليها ثلاثة- وكانت له ظهرا؛ وروى أصبغ عن ابن القاسم مثله، وقال من رأيه: لا يعجبني، وأرى أن يسجدها يتم بها الركعة، ثم يتم الجمعة على سنتها بركعة أخرى، ثم يبتدئ الصلاة أربعا للاختلاف؛ وإن جعلها ظهرا أو طرح الجمعة، رأيتها مجزئة، ولم أر عليه الإعادة؛ وقال في كتاب أوصى أن ينفق على أمهات أولاده أنه يخر فيسجد سجدة، ثم يبني على تلك الركعة إن كانت جمعة، وأجزأت عنه، وإن كانت ظهرا، فمثل ذلك.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة هاهنا مستوعبة بما فيها من الاختلاف، وقوله في القول الأول لأنه كهيئة من لم يستطع أن يسجد من زحام الناس حتى سلم الإمام، ليس بحجة؛ لأنها هي المسألة بعينها؛ إذ لا فرق بين أن يزحم أو ينسى؛ لأنه مغلوب على ترك السجود في الوجهين، فالمطالبة بالحجة باقية، فقال له: ولم لم يسجد بعد سلام الإمام الذي زحم عن السجود مع الإمام؟ والحجة له أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة»، «ومن أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة». والسجدتان من تمام الركعة، والذي سجد بعد سلام الإمام، لم تتم له الركعة إلا بالإمام، والحجة لقوله الثاني- وهو قول أشهب- قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من أدرك الركعة، فقد أدرك السجدة»، «ومن أدرك ليلة عرفة، فقد أدرك الحج» إذ قد حصل اليقين أنه ليس معنى ذلك أنه يكون مدركا للسجدة بنفس إدراك الركعة دون أن يفعل السجدة، ولا مدركا للحج بنفس إدراك ليلة عرفة دون أن يفعل بقيته؛ للإجماع على ذلك، ولا أنه أراد أنه يكون مدركا لذلك بفعله مع الإمام؛ إذ ليس للإخبار بذلك فائدة، فلم يبق إلا أنه يكون مدركا بذلك بفعله بعد الإمام، وقول أصبغ استحسان واحتياط للصلاة من أجل هذا الخلاف. ويتخرج في المسألة قول رابع وهو ألا تصح له الجمعة لفوات السجدة مع الإمام، ولا يبني أربعا على ذلك الإحرام؛ لأنه نوى به ركعتين على ما مضى من الاختلاف في أول رسم من سماع ابن القاسم في مسألة المسافر يدخل مع القوم وهو يظنهم مسافرين فيجدهم حضريين.

.مسألة يصلي في بيته ثم يأتي المسجد فيصلي مع الناس فيذكر أنه غير متوضئ:

وسئل عن الرجل يصلي في بيته، ثم يأتي المسجد فيجد الناس في تلك الصلاة فيصلي معهم، فيذكر عند فراغه أن التي صلى في البيت صلاها على غير وضوء، ولم يعمد صلاح تلك بهذه التي صلى مع الإمام، فقال: صلاته التي صلى على الظهر مجزئة عنه، وليس عليه إعادة.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في سماع سحنون لابن القاسم، وزاد فيه: أن مالكا قاله؛ وفيه لأشهب أن صلاته باطلة، وعليه الإعادة؛ فوجه قول ابن القاسم وروايته عن مالك، أنه لم يدخل مع الإمام بنية النافلة، وإنما دخل معه بنية الإعادة لصلاته، وإن كان قد صلاها فوجب أن يجزيه إن بطلت الأولى، وأن تجزئه الأولى إن بطلت هذه؛ لأنه صلاهما جميعا بنية الفرض، كالمتوضئ يغسل وجهه مرتين أو ثلاثا، فإن ذكر أنه لم يعم في بعضها، أجزأه ما عم به منها؛ ويؤيد هذا قول عبد الله بن عمر للذي سأله أيتهما يجعل صلاته؟ أو أنت تجعلها، إنما ذلك إلى الله. وقد قيل: إنهما جميعا صلاتان له فريضتان، وهو الذي يدل عليه قول مالك؛ لأنه لا يعيد المغرب في جماعة؛ لأنه إذا أعادها كانت شفعا، ووجه قول أشهب، أنه جعل الأولى صلاته؛ إذ إنما دخل مع الإمام لفضل الجماعة، مع ما قد جاء عن النبي- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أنها له نافلة، وليس قوله بجار على المذهب؛ إذ لو كانت الأولى هي صلاته على كل حال، والثانية نافلة؛ لما جاز لمن صلى الصبح أو العصر وحده أن يعيدهما في جماعة؛ إذ لا يتنفل بعدهما، وقد قيل: إنه إذا أعاد في جماعة ودخل فيها فقد بطلت الأولى، وحصلت هذه صلاته؛ فإن بطلت عليه لزمه إعادتها، وقيل: إنها لا تبطل عليه الأولى حتى يعقد من الثانية ركعة أو أكثر، وبالله تعالى التوفيق.